د. محمد أبو القاسم
عرف المغرب خلال العشر سنوات الأخيرة تحولات هامة في علاقاته الدولية، سواء على مستوى الفاعلين أو على مستوى التوجهات الاستراتيجية لسياسته الخارجية، فقد توسعت شبكة التمثيليات الدبلوماسية، بحيث افتتحت أكثر من ثلاثين سفارة و قنصلية خلال هذه الفترة، كما تعززت تمثيلية المغرب في المنظمات الدولية، رافقت هذه السياسة سياسة تقارب مع الاتحاد الأوربي من خلال حصوله على الوضع المتقدم، و مع دول افريقيا جنوب الصحراء، و مع دول أمريكا اللاتينية، مما أعطى للمغرب وضعا أكثر أهمية في المسرح الدولي، لكن هذا التوجه يطرح مجموعة من التحديات المتعلقة بتدبير مسألتين: الحاجة إلى توسيع دائرة التحالفات و الشراكات الاقتصادية و تدبير مسألة السيادة الوطنية التي تعد عنصرا أساسيا في السياسة الدولية للمغرب، بما يتلاءم مع مفاهيم الشراكة و المسؤولية الدولية مما يفسح المجال لأسئلة مرتبطة مثلا بسمو القوانين و المعاهدات الدولية و ملاءمة القوانين الداخلية مع القوانين و المعاهدات الدولية، فما هي أم التوجهات و المحددات في السياسة و العلاقات الدولية المغربية؟ وكيف تطرح مسألة السيادة في العلاقات الدولية المغربية؟
أولا: ملامح من السياسة و العلاقات الدولية المغربية:
يحتل المغرب وضعا جيوستراتيجيا يحمل الكثير من الامتيازات، فهو يقع في ملتقى الطرق بين افريقيا جنوب الصحراء و العالم العربي و أوربا، فيما تشكل الحدود مصدر قلق سواء مع إسبانيا أو مع الجزائر أو ما يتعلق بمسألة الصحراء المغربية أو ترسيم الحدود البحرية، فالعلاقات و السياسة الدولية المغربية يحركهما أمران أساسيان: حل مسألة الوحدة الترابية، و البحث عن تعزيز موقعه على المستوى الإقليمي، الأمر الذي يفسر مثلا تنسيقه الأمني مع إسبانيا و أوربا بشكل عام في مسألة الهجرة السرية و محاربة الإرهاب، لهذا ليس هناك أي تأثير للاعتبارات الإيديولوجية أو الدينية. كما أنه ينهج سبيلا يذكرنا بما قامت به أوربا التي حلت مشاكلها السياسية من خلال التكامل الاقتصادي، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك.
و هكذا فقد اتجه المغرب إلى البحث عن تحالفات وأفق جديدة، وفي هذا السياق تأتي التطورات التي عرفتها علاقات المغرب مع الهند روسيا، كما استمر في لعب دور الوسيط في بعض الملفات كالملف الليبي و الملف الفلسطيني، مستغلا في ذلك علاقاته المتوازنة مع أطراف النزاع، أما على مستوى العالم الإسلامي فقد أستمر في لعب دوره في منظمة المؤتمر الإسلامي، كما أنه يتبنى ملف القدس من خلال هيئات كلجنة القدس وبيت مال القدس، إلا أن أهم ملاحظة تبقى خروجه عن موقف الحياد في بعض القضايا، كما هو الشأن بالنسبة للموقف من الأوضاع في سوريا.
إن الأوضاع غير المستقرة في مجموعة من الدول المجاورة قد فسحت المجال أمام المغرب لتحقيق مجموع من المكاسب، مع استمرار الشراكة مع دول الخليج، الذي حركته أولويات متشابهة مع هذه البلدان كالوساطة في حل مسألة الشرق الأوسط، تشجيع الاستثمارات و تشجيع الاعتدال الديني، حيث إن الصورة التي يحاول المغرب تسويقها: صورة ملكية مستقرة لكن حديثة منفتحة ديموقراطية و هوية اسلامية قوية و معتدلة الأمر الذي يتقاطع مع سياسة الجامعة العربية، و خاصة في الموقف المتسم بالواقعية من إسرائيل. مع العلم أن هذا الانفتاح لم يكن له أثر على الشراكات و التحالفات التقليدية للمغرب كتلك التي تجمعه بأريكا و الدول الأوربية، و قد لعبت مختلف الوسائل دورا في تقوية هذا التوجه-ولو بشكل نسبي- يتعلق الأمر هنا بالاقتصاد وتوسيع التمثيلية الدبلوماسية والثقافة والدين و القوة الناعمة، بالموازاة مع الانفتاح الذي عرفه المغرب منذ التسعينات.
ثانيا: الانفتاح السياسي و الحقوقي أدى إلى سياسة منفتحة:
بدأ المغرب مرحلة من الانفتاح السياسي منذ التسعينات، مع التعديلات الدستورية و إنشاء هيئة الإنصاف و المصالحة و بعد الربيع العربي جاء دستور 2011 الأمر الذي ساهم في تحسين صورة المغرب ، بالرغم من مجموعة من بعض الانتقادات التي تتعلق أحيانا بحرية الإعلام و أحيانا أخرى بحقوق المرأة ووضع القضاء و قانون الشغل
على مستوى السياسة الخارجية رافق هذا الانفتاح سياسة خارجية أكثر انفتاحا، بحيث لوحظ أن المغرب لم يعد يربط علاقاته الخارجية بملف الصحراء، بل صار يسعى إلى تعزيز علاقاته الاقتصادية و الثقافية مع الدول الافريقية على الرغم من أنه خرج من منظمة الوحدة الإفريقية احتجاجا على قبولها عضوية البوليزاريو، نفس الأمر ينطبق على علاقات المغرب مع اسبانيا، بحيث لم تؤثر الخلافات السياسية على نمو العلاقات التجارية (ارتفعت المبادلات التجارية سنة 2003 بحوالي 20% و تطورت بعد ذلك لتصبح اسبانيا ابتداء من سنة 2003 أول شريك تجاري للمغرب، و التعاون في مسألة الهجرة السرية و التعاون الأمني في مسألة الإرهاب،(ففي يوليوز 2001 وقع المغرب مع إسبانيا اتفاقية تهم مراقبة الحدود في وقت كانت العلاقات الثنائية تشهد توترا، كما سمح سنة 2002 لـــ 64 مركب صيد إسباني بالعمل في المياه المغربية، نفس الشيء ينطبق على التعاون الأمني، الذي شهد تعزيزا بين البلدين في أوقات صعبة من علاقات البلدين ( قضية جزيرة ليلى) ففي نفس السنة اتفق البلدان على التعاون في ترحيل القاصرين من المهاجرين السريين نحو المغرب.
من جهة ثانية وقع المغرب اتفاقيات مماثلة مع الدول الأوربية تتعلق بتدبير موضوع الهجرة وإدماج المهاجرين مقابل تعزيز مراقبة الحدود. هذه الأمثلة تبين أن المغرب يدبر علاقاته الخارجية بشكل مختلف يعطي أهمية لمسائل الوحدة الترابية لكن هذه الأهمية تصبح نسبية أمام التعاون الاقتصادي و الأمني و يسلط الضوء على الطابع البراغماتي للسياسة الدولية المغربية. نفس هذا الانفتاح -وإن بدرجة أقل- يمكن أن يسجل في علاقات المغرب مع الجزائر، ونلاحظ هذا في نمو العلاقات التجارية الثنائية خاصة في مجال الطاقة، كما كانت هناك محاولات لتعاون أمني في منطقة الساحل لكنها باءت بالفشل، وأفرزت تباينا ومنافسة بين البلدين في تدبير هذه المسألة. على المستوى المغاربي نلاحظ نفس التوجه، أي السعي للاندماج الاقتصادي و التعاون الأمني (إنشاء بنك مغاربي للاستثمار و التجارة الخارجية باستثمار 150 مليون دولار بالتساوي بين الدول الخمس الأعضاء) لكن على العموم يبقى التعاون على هذا المستوى محتشما ويحكمه و الحذر.
و يتضح مما سبق أن السياسة الخارجية للمغرب تنطلق من تصور حديث للسيادة يميز بينها و بين السلطان، و بين السيادة كحق و السيادة كواقع، و بين السيادة و صلاحياتها، والسيادة ككل غير قابل للتجزيء و السيادة كتركيبة يمكن التنازل عن جزء من صلاحياتها للتفاعل مع الواقع. فالإدارة الوطنية السليمة لأي بلد لم يعد من الممكن فصلها عن السياق العالمي و الإقليمي بسبب الترابط و الاعتماد المتبادل، وبقدر ما تستطيع الدولة المشاركة بفعالية و نجاح في بناء إطار للتعاون الإقليمي و العالمي وبالتالي بقدر ما تساهم -من خلال سياساتها الإقليمية البناءة- في تحسين فرص التنمية لها و للمجتمعات المحيطة بها، تحظى بقدر أكبر من المصداقية وتزداد فرص حصولها على الشرعية العالمية. وتفترض هذه المساهمة نشاطا فعالا وحضورا دوليا مستمرا للمساهمة في حل المشاكل الدولية كما تفترض مشاركة جدية وبذل جهد وتضحيات فعلية من أجل تحقيق القيم والأهداف العالمية المشتركة، وقبل ذلك المساهمة في بلورة هذه القيم والمبادئ التي لا يقوم من دونها مجتمع دولي موحد و متكامل و متعاون ومتواصل . دون أن يعني ذلك تبني سياسات الهيمنة الدولية والانفراد بالقرار العالمي، أو عقلية الاتكال والتبعية التي تميل إليها بعض الدول.
الخلاصة: